الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

9

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وخاصة إذا كان في حال الصلاة لأنّ الخشوع للّه يكون في حالة الصلاة وفي غيرها ، إذ الخشوع محلّه القلب فليس من أفعال الصلاة ولكنه يتلبس به المصلي في حالة صلاته . وذكر مع الصلاة لأن الصلاة أولى الحالات بإثارة الخشوع وقوّته ولذلك قدمت ، ولأنه بالصلاة أعلق فإن الصلاة خشوع للّه تعالى وخضوع له ، ولأن الخشوع لما كان للّه تعالى كان أولى الأحوال به حال الصلاة لأن المصلي يناجي ربه فيشعر نفسه أنه بين يدي ربه فيخشع له . وهذا من آداب المعاملة مع الخالق تعالى وهي رأس الآداب الشرعية ومصدر الخيرات كلها . ولهذا الاعتبار قدم هذا الوصف على بقية أوصاف المؤمنين وجعل مواليا للإيمان فقد حصل الثناء عليهم بوصفين . وتقديم فِي صَلاتِهِمْ على خاشِعُونَ للاهتمام بالصلاة للإيذان بأن لهم تعلقا شديدا بالصلاة لأن شأن الإضافة أن تفيد شدة الاتصال بين المضاف والمضاف إليه لأنها على معنى لام الاختصاص . فلو قيل : الذين إذا صلوا خشعوا ، فات هذا المعنى ، وأيضا لم يتأت وصفهم بكونهم خاشعين إلّا بواسطة كلمة أخرى نحو : كانوا خاشعين . وإلّا يفت ما تدل عليه الجملة الاسميّة من ثبات الخشوع لهم ودوامه ، أي كون الخشوع خلقا لهم بخلاف نحو : الذين خشعوا ، فحصل الإيجاز ، ولم يفت الإعجاز . [ 3 ] [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 3 ] وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ( 3 ) العطف من عطف الصفات لموصوف واحد كقول بعض الشعراء وهو من شواهد النحو : إلى الملك القرم وابن الهمام * وليث الكتيبة في المزدحم وتكرير الصفات تقوية للثناء عليهم . والقول في تركيب جملة هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ كالقول في هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ [ المؤمنون : 2 ] ، وكذلك تقديم عَنِ اللَّغْوِ على متعلقه . وإعادة اسم الموصول دون اكتفاء بعطف صلة على صلة للإشارة إلى أن كل صفة من الصفات موجبة للفلاح فلا يتوهم أنهم لا يفلحون حتى يجمعوا بين مضامين الصلاة كلها ، ولما في الإظهار في مقام الإضمار من زيادة تقرير للخبر في ذهن السامع .